محمد بن جعفر الكتاني

121

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

[ 41 - الإمام المشارك سيدي أحمد بن التاودي ابن سودة المري ] ( ت : 1235 ) ومنهم : ولده الأكبر ، وبدر حالته الأنور ، الإمام العالم العلامة ، المشارك القدوة الفهامة ، السيد الأعمد ، والهمام العلم الأوحد ؛ أبو العباس سيدي أحمد بن سيدي التاودي ابن سودة المري الأندلسي الفاسي . ولد - رحمه اللّه - سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف ، ونشأ في حجر أبيه في عفة وصيانة ، ومروءة وديانة ، لا يلاعب الصبيان في ملعب ، ولا يخالطهم في غير مكتب ، ثم أخذ في الاعتناء بالمتون ، على حسب المتداول بين الناس في الفنون . ثم لما نجب ، وجد في الطلب ، أخذ في قراءة العلوم ، وتصدى لمعرفة المنطوق منها والمفهوم ؛ فقرأ على عدة من الأشياخ ، منهم : والده وهو عمدته ، وعنه أخذ أكثر الفنون من تفسير ، وحديث ، وفقه وأصول ، وكلام ومنطق ، وبيان ونحو ، وتصريف وتصوف . . . وغيرها . وقرأ أيضا على الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن الحسن الجنوي ، والشيخ أبي عبد اللّه محمد بن الحسن بناني ، والشيخ أبي حفص الفاسي ، والشيخ أبي محمد عبد القادر بو خريص الفيلالي . . . وغيرهم . ثم لما تأهل للأخذ عنه ، والانتفاع به ؛ أذن له والده في التدريس ؛ فدرس وأفاد ، وتصدى لنفع العباد ، وانحشر إلى مجلسه أكابر طلبة فاس ، وأخذوا عنه ، وانتفعوا به ، وأقامه والده لما أراد السفر للحج ، سنة إحدى وثمانين ، مقامه في إقراء صحيح البخاري ، في الأشهر الثلاثة ، وأمر أعيان مجلسه ونجباءه أن يحضروا مجلسه للسماع منه ، والقراءة عليه ، فحضروا حضور استفادة ، وأيقنوا معه أنه من أولي التحصيل والإجادة [ 115 ] . وكان - رحمه اللّه - قد خطب في حياة أبيه بالسلاطين ، فوجدوا منه في الوقت ما تجدونه من أفاضل الوعاظين ، وسلم له في وقته قلم الفتوى ، فيما يعرض من نوازل الدعوى ، مع المهارة في صناعة التوثيق ، والسير في إظهار الحق على مثلي الطريق ، في خط رائق ، ولفظ فائق . وتولى خطة القضاء آخر الدولة المحمدية وصدرا من المملكة اليزيدية ، بفاس الإدريسية مرة ، وأخرى بالمرينية ، وكان السلطان أبو عبد اللّه سيدي محمد بن عبد اللّه رتب له في الولاية الأولى بفاس الإدريسية مرتبا لم يعهد مثله لغيره ، ولما بويع السلطان مولانا سليمان استأنف له ولاية لم ير الراءون مثلها ، إذ كان دون غيره أحق بها وأهلها ، مفوضا له بالنظر في جميع القضاة ، يفعل فيهم ما شاء من نفي وإثبات ، فأحسن السيرة في الناس ، لا يعدل في الحكم عن النص أو القياس .